top of page

ماذا يعني “الصمت” على الجبهة ولماذا يخافه الجنود

ماذا يعني “الصمت” على الجبهة ولماذا يخافه الجنود

هناك شيء يصعب جدًا شرحه لأي شخص لم يقترب يومًا من الحرب. على الجبهة يبدأ الناس بالخوف من الصمت. ليس من الانفجارات، ولا من المدفعية، ولا حتى من الخطر الدائم نفسه، بل من اللحظات التي يصبح فيها كل شيء هادئًا فجأة. بالنسبة للمدني يبدو هذا غريبًا، لأن الصمت في الحياة الطبيعية يعني الراحة. الناس يذهبون إلى الريف “للهروب من الضجيج”. يشترون شققًا في “أحياء هادئة”. ينشرون صور القهوة بجانب النافذة مع عبارات مثل “أخيرًا بعض الهدوء”. لكن الحرب وحدها تجعل الإنسان يفهم أن الصمت أحيانًا قد يكون أكثر الأصوات رعبًا على الإطلاق.


داخل الوحدات القتالية يعتاد الإنسان بسرعة مذهلة على الفوضى. في البداية يحاول الدماغ أن يتفاعل مع كل شيء في وقت واحد. المدفعية. الطائرات المسيّرة. الانفجارات. الحركة المستمرة. أجهزة اللاسلكي التي تصرخ وكأن مهمتها الأساسية ليست نقل المعلومات بل تحطيم أعصاب الجميع. ومع مرور الوقت يتأقلم الجسد. ما يبدو للمدني كفوضى كاملة يصبح بالنسبة للجندي مجرد خلفية طبيعية للحياة اليومية. ولهذا يستطيع الجنود في كتيبة أتيه، كما في الكثير من الوحدات الأخرى، شرب القهوة بهدوء بينما تهتز السماء بصوت المدفعية البعيدة، وفي الوقت نفسه يتجادلون حول قضايا “عسكرية خطيرة جدًا”، مثل من أضاع بطاريات الطائرة المسيّرة مرة أخرى أو لماذا لا يعمل المولد إلا بعد الشتائم والتهديدات العاطفية.


ثم فجأة، وسط كل هذا الضجيج، يأتي الصمت الكامل.


ليس “أصبح الوضع أهدأ قليلًا”. وليس “القصف أخف اليوم”. بل صمت حقيقي. النوع الذي يجعلك تشعر فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي. النوع الذي يجعل الجميع ينظرون تلقائيًا إلى السماء. الحرب تعلم الإنسان بسرعة أنه عندما يصبح كل شيء هادئًا أكثر من اللازم، فهذا يعني غالبًا أن شيئًا ما يقترب.


يصبح هذا الإحساس أغرب بكثير في الليل. ليل الجبهة عالم مختلف تمامًا بقوانينه الخاصة. في النهار على الأقل ترى الحركة، ترى العربات، ترى الناس يعملون، ترى الدخان والمواقع. أما في الليل فلا يبقى سوى الظلام والأصوات والأفكار. الدماغ البشري يعمل بطريقة مختلفة تمامًا في الظلام. كل صوت صغير يصبح مهمًا. صوت غصن مكسور يبدو مريبًا. صوت محرك بعيد يجعل الجميع يتوقفون للحظة. حتى صوت سترتك يصبح فجأة عاليًا بشكل مزعج.


المضحك أن المدنيين لا يدركون أبدًا كم أن الأشياء العادية صاخبة. خذ مثلًا اللاصق الموجود على الملابس العسكرية. في الحياة الطبيعية هو مجرد شريط لاصق عادي. أما على الجبهة ليلًا فيبدو صوته وكأن شخصًا فتح بوابة معدنية عملاقة في منتصف الصمت. خصوصًا إذا قام أحدهم بفتحه بسرعة. عندها ينظر الجميع إليه وكأنه أرسل إحداثيات الموقع إلى العدو بنفسه.


ومن الكلاسيكيات الأخرى على الجبهة محاولة فتح علبة طعام معلب بهدوء في منتصف الليل. في الحياة العادية لا أحد ينتبه لهذا الصوت أصلًا. أما على الجبهة فتفتح العلبة أحيانًا وكأنها تابوت فرعوني ظل مغلقًا لثلاثة آلاف سنة. ويصبح الأمر “أجمل” عندما يكون الجميع جالسين في صمت تام يراقبون السماء ويحاولون فهم ما إذا كان ذلك الصوت البعيد مولدًا كهربائيًا أم شيئًا يطير باتجاههم.


في مثل هذه اللحظات حتى أكثر الجنود خبرة يبدأون بالابتسام بتوتر. ليس لأن الأمر مضحك فعلًا، بل لأن العقل البشري تحت الضغط المستمر يبدأ بالتصرف بطريقة غريبة. يبحث عن أي وسيلة صغيرة تمنعه من الانهيار. ولهذا يصبح حس الفكاهة على الجبهة مختلفًا جدًا. النكات تولد من أي شيء. شخص يقع في الوحل ليلًا فيضحك الجميع. شخص يحاول الجلوس بهدوء فيسقط صندوقًا معدنيًا ويحاول الجميع كتم الضحك. لأن الإنسان إذا توقف عن الضحك في ظروف كهذه، فإن التوتر يبدأ بأكله من الداخل.


من أغرب الأشياء التي تغيّرها الحرب هي علاقة الإنسان بالأصوات. في الحياة الطبيعية ينام الناس على صوت التلفاز أو الموسيقى أو ضجيج السيارات. أما على الجبهة فقد يستيقظ الجندي فقط لأن “الصمت أصبح أكثر من اللازم”. وهذه ليست مبالغة. الدماغ يعتاد إلى درجة كبيرة على ضجيج الحرب المستمر لدرجة أن اختفاء الأصوات فجأة يبدأ بالشعور وكأنه خطر بحد ذاته.


الحرب الحديثة جعلت هذا الإحساس أقوى بكثير. في الماضي كان يمكن سماع الهجمات من بعيد. دبابات. محركات. أرتال تتحرك. أما اليوم فقد يكون أخطر شيء موجود فوقك مباشرة، طائرة صغيرة بدون طيار لا تراها أصلًا، لكنها ترى كل شيء. ولهذا يبدو الصمت أحيانًا أكثر رعبًا من الانفجارات. أثناء القصف يكون كل شيء واضحًا على الأقل. الجسد يعمل تلقائيًا. تتحرك، تستجيب، تنفذ المهام، تحاول النجاة. أما الصمت فيتركك وحيدًا مع أفكارك.


والعقل البشري تحت الضغط يصبح مبدعًا بشكل مخيف.


خصوصًا قبل الفجر.


هناك لحظة غريبة يعرفها كثير من الجنود جيدًا. أصعب وقت ليس دائمًا أثناء القتال نفسه، بل أحيانًا قبل شروق الشمس بقليل. الجسد يكون منهكًا. النوم يصبح حلمًا بعيدًا. الظلام يبدأ بالاختفاء ببطء، لكن كل شيء يبقى صامتًا. وهنا يبدأ العقل بالتفكير بأشياء غريبة جدًا.


فجأة يفكر الإنسان في البيت. في العائلة. في أنه بعد الحرب لن يشتري شاحنة قديمة مرة أخرى أبدًا. في أن المولدات الكهربائية تبدو وكأنها تعمل على الكراهية البشرية. في أن الشاي على الجبهة إما أن يكون أفضل شاي في العالم أو ماءً ساخنًا بطعم الاكتئاب والدخان. وفي أن الناس في الحياة الطبيعية لا يقدّرون الماء الساخن أبدًا كما يجب.


وهنا يصبح صمت الجبهة أثقل من أي شيء آخر، لأنه يمنح الإنسان وقتًا للتفكير.


كما أن الجبهة تعلّم الجنود بسرعة الخوف من بعض العبارات. من أسوأ هذه العبارات:“الوضع هادئ اليوم.”


بمجرد أن يقول أحدهم هذه الجملة، ينظر إليه الجميع وكأنه أطلق لعنة قديمة. والأغرب أن الواقع غالبًا ما يؤكد هذا “التشاؤم العسكري”. بعد هذه العبارة عادة ما يحدث شيء ما فعلًا.


ولهذا يصبح الجنود ذوو الخبرة حذرين جدًا من التفاؤل الزائد. الحياة على الجبهة تصنع خرافاتها الخاصة بسرعة مذهلة. لا أحد يقول كلمة “الأخير”. لا أحد يمدح “الليلة الهادئة”. لا أحد يقول “اليوم سيكون سهلًا”. الحرب تملك حس فكاهة أسود جدًا، وتحب دائمًا أن تثبت للناس أنهم أخطأوا عندما شعروا بالاطمئنان.


وفي الوقت نفسه، هذا الصمت نفسه يجعل الإنسان يقدّر أبسط الأشياء في الحياة. النوم الطبيعي. ضجيج المدينة العادي. أصوات الأطفال في الخارج. الموسيقى القادمة من نافذة مفتوحة. حتى الجار المزعج الذي يستخدم المثقاب طوال الوقت.


لأن ضجيج الحياة الطبيعية يعني أن الحياة ما زالت مستمرة.


أما صمت الجبهة، ففي كثير من الأحيان يعني فقط أن الحرب تقف في مكان قريب، تراقب بصمت، وتقرر متى ستذكّرك بوجودها مرة أخرى.

تعليقات


bottom of page