عندما يطنّ السماء - كيف تعمل مجموعات النيران المتنقلة
- Atey Army
- 27 مايو
- 5 دقيقة قراءة

إذا كانت مجموعة الدفاع الجوي المتنقلة في عام 2022 تبدو للكثيرين مجرد "رشاش على شاحنة بيك أب"، ففي عام 2026 أصبحت فلسفة عسكرية كاملة بحد ذاتها. مجموعة النيران المتنقلة الحديثة هي مزيج من الصيادين، وخبراء التكنولوجيا، وسائقي الراليات، ومشغلي الطائرات المسيّرة، والمراقبين الليليين، وأشخاصٍ كان من المفترض أن يحصل جهازهم العصبي على إجازة طويلة في مكان هادئ بعيدًا عن صوت "الموبيد" الطائر فوق الرؤوس.
المفارقة في الحرب الحديثة أن السماء أصبحت "رخيصة". في السابق كانت الطائرات الحربية رفاهية لا تملكها إلا الدول العظمى. أما اليوم، فإن محركًا مأخوذًا من منشار، وإلكترونيات صينية، ونظام ملاحة عبر الأقمار الصناعية، مع بعض المتفجرات، يمكن أن يتحول إلى تهديد يبقي دولة كاملة مستيقظة طوال الليل.
ولهذا أصبحت مجموعات الدفاع الجوي المتنقلة واحدة من أهم عناصر الدفاع الأوكراني. ولهذا أيضًا بدأ العدو يطاردها بشكل مباشر.
في هذه الحرب كل شيء يتغير بسرعة جنونية. ما إن تتعلم الأطقم التعامل بفعالية مع طائرات "شاهد"، حتى يبدأ العدو بتغيير ارتفاع الطيران. وما إن يتم اكتشاف طرق التحليق المعتادة، حتى تبدأ الطائرات المسيّرة باستخدام الحقول والأنهار والمناطق المنخفضة والمسارات غير المتوقعة. وعندما أصبحت الكشافات فعالة، ظهرت أنظمة تستجيب لمصادر الضوء نفسها. وعندما بدأت الأطقم تبدل مواقعها بسرعة، ظهرت طائرات FPV تستهدف مجموعات الدفاع الجوي ذاتها.
في الحقيقة، تبدو حرب الدفاع الجوي الحديثة اليوم كأنها مباراة شطرنج باهظة الثمن وشديدة الخطورة، يغير فيها الطرفان قواعد اللعب أثناء المباراة نفسها.
والقاعدة الأهم هنا بسيطة للغاية: إذا كنت تعمل بالطريقة نفسها لشهرين متتاليين، فغالبًا هناك من يراقبك الآن عبر منظار حراري.
كيف تعمل مجموعة الدفاع الجوي المتنقلة فعليًا
لدى المدنيين أحيانًا تصور غريب بأن طاقم الدفاع الجوي يقضي الليل وهو يطلق النار عشوائيًا نحو السماء كلما سمع صوتًا غريبًا. لكن الواقع مختلف تمامًا. المجموعة الحديثة هي منظومة معقدة يؤدي فيها كل فرد دورًا محددًا، وغالبًا ما تكون سرعة رد الفعل أهم من عيار السلاح نفسه.
الليلة المعتادة لا تبدأ بإطلاق النار، بل بالانتظار. أحيانًا انتظار طويل جدًا. السيارة متوقفة في الظلام، المحرك مطفأ، الإضاءة شبه معدومة، والكلام مختصر. أحدهم يراقب المجال الجوي على الجهاز اللوحي، وآخر يعمل بالمنظار الحراري، وثالث يستمع إلى الاتصالات اللاسلكية. وفي تلك اللحظات تبدو المجموعة أشبه بصيادين يجلسون ليلًا قرب مستنقع، فقط بدل السمك قد تصل طائرة "شاهد" تحمل رأسًا متفجرًا.
المجموعات الحديثة تعتمد أكثر فأكثر على الأنظمة الرقمية. الأجهزة اللوحية التي تعرض الحركة الجوية، التنسيق بين القطاعات، بيانات الرادارات، المناظير الحرارية، أنظمة الرؤية الليلية، وأجهزة التصويب الرقمية - كل ذلك أصبح جزءًا طبيعيًا من الطاقم، تمامًا كما كانت البندقية أو جهاز الاتصال في السابق.
ومن أكثر الأشياء التي تغيرت جذريًا دور المناظير الحرارية. في عام 2022 كانت الكثير من الأطقم تبحث عن الأهداف "بالسمع". الصوت المميز لطائرات "شاهد" تحول تقريبًا إلى مزحة جماعية في أوكرانيا. ذلك الصوت الذي يجعل نصف البلاد ينظر إلى السماء، بينما يبدأ النصف الآخر بفتح تطبيقات الأخبار فورًا.
لكن العدو اليوم يغير المحركات والارتفاعات والمسارات باستمرار. بعض النسخ الجديدة أصبحت أسرع وأكثر هدوءًا، أو تأتي من اتجاهات غير متوقعة. وهناك حديث متزايد عن نسخ نفاثة من الطائرات الانتحارية تقلل بشكل كبير زمن رد الفعل المتاح للطاقم.
ولهذا فإن منظارًا حراريًا جيدًا أو نظام مراقبة ليلي متطور قد يصبح أحيانًا أهم من الرشاش نفسه.
وهنا تبدأ الأمور الأكثر إثارة.
لأن الدفاع الجوي المتنقل لم يعد مجرد "إطلاق نار على الطائرات المسيّرة". بل أصبح لعبة تمويه كاملة.
في الدفاع الجوي الحديث الأهم هو ألا تكشف نفسك
في بداية الحرب اعتقد كثيرون أن الأهم لمجموعة الدفاع الجوي هو الدرع الأكبر، والسلاح الأضخم، والفيديو الجميل للطلقات المضيئة على TikTok.
لكن الواقع كان أقل سينمائية بقليل.
اليوم السلاح الرئيسي للطاقم هو القدرة على الاختفاء.
القوات الروسية بدأت تتكيف بشكل نشط مع أساليب مجموعات الدفاع الجوي الأوكرانية. وهذا منطقي تمامًا، لأن فعالية هذه المجموعات تحولت إلى واحدة من أكبر مشاكل الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة.
ولهذا بدأ العدو بتغيير تكتيكاته.
ظهرت أولًا أنظمة تستجيب لضوء الكشافات. ثم بدأ استخدام التحكم عن بعد عبر شبكات اتصال أكثر تطورًا. وبعدها بدأ استخدام طائرات استطلاع قبل الهجوم الأساسي.
وأصبحت الصورة الآن كالتالي: بينما يبحث الطاقم عن "شاهد"، تكون "شاهد" أحيانًا تبحث عن الطاقم نفسه.
هناك الآن تكتيك متداول يعتمد على "الضربة المزدوجة". تقوم طائرة مسيّرة بإجبار المجموعة على فتح النار وكشف موقعها، بينما تهاجم طائرة أخرى الطاقم نفسه.
يبدو الأمر وكأنه من فيلم خيال علمي. المشكلة الوحيدة أنه لم يعد خيالًا.
كما ظهرت ظاهرة أكثر خطورة، وهي استخدام الطائرات الانتحارية الكبيرة كحاملات لطائرات FPV الصغيرة. بمعنى أن طائرة واحدة قد تنقل عدة طائرات هجومية صغيرة إلى منطقة الهدف، ثم تنفصل هذه الطائرات وتبدأ العمل بشكل مستقل.
أي أن ما يطير في السماء لم يعد مجرد طائرة انتحارية، بل صندوق مفاجآت كامل.
ولهذا أصبحت مجموعات الدفاع الجوي الحديثة أقرب إلى وحدات القوات الخاصة منها إلى بطاريات الدفاع الجوي التقليدية.
لماذا أصبحت الحرب اليوم حرب الفرق الصغيرة
واحدة من أهم التغيرات في الحرب الحديثة هي أن الأنظمة الكبيرة أصبحت مرئية أكثر من اللازم.
الأرتال يمكن رؤيتها. المواقع الثابتة يمكن كشفها. الرادارات الكبيرة مرئية. حتى الأثر الحراري للمحركات أصبح كافيًا أحيانًا لتحديد الموقع.
أما المجموعة الصغيرة المتنقلة فهذه قصة مختلفة.
ولهذا تعمل الأطقم الحديثة بدورات قصيرة. يصلون. يطلقون النار. يختفون. يغيرون الطريق. يغيرون القطاع. يتحركون مجددًا.
أحيانًا يقضي الطاقم وقتًا في الحركة أكثر مما يقضيه في الموقع نفسه.
بل إن السائق قد يصبح أحيانًا أهم من الرامي. لأن المرحلة الثانية من المهمة تبدأ بعد إطلاق النار: النجاة.
كثير من المدنيين لا يدركون هذه الحقيقة. يعتقدون أن أخطر لحظة هي أثناء الاشتباك. بينما في الواقع تبدأ أخطر اللحظات بعده مباشرة.
فالطلقات المضيئة، وصوت الرشاشات، والأثر الحراري للمحرك، وحتى عمل أجهزة التصويب - كلها قد تتحول إلى إشارات تكشف الموقع للعدو.
ولهذا تستخدم الأطقم اليوم التمويه الحراري، والمواقع الوهمية، والعمل السريع، والتحرك بدون إضاءة، والتغيير المستمر للمسارات.
كل ذلك يعيد إلى الأذهان قاعدة عسكرية قديمة: في الحرب الحديثة لا ينجو الأقوى، بل الأقل قابلية للتوقع.
حرب الأعصاب
هناك جانب آخر يصعب فهمه دون تجربة حقيقية - الضغط النفسي.
معظم العمل يتم ليلًا. ساعات طويلة من الانتظار. توتر دائم. مراقبة السماء. أصوات المحركات. البلاغات عن أهداف جديدة.
الاتصالات اللاسلكية. وكل هذا بينما يعمل الدماغ في وضعية "شيء ما سيحدث الآن".
الإنسان أصلًا غير مهيأ نفسيًا للعيش بهذا الإيقاع لفترات طويلة.
خصوصًا عندما تستمر الليلة لساعات، وتأتي طائرات "شاهد" على شكل موجات متتالية. واحدة، اثنتان، ثلاث، عشر… ثم فجأة صمت. والغريب أن هذا الصمت أحيانًا يكون أكثر توترًا من صوت الطائرات نفسها.
يمزح العسكريون أحيانًا بأنه بعد عدة أشهر من العمل في الدفاع الجوي المتنقل، يبدأ الشخص بالنظر بريبة حتى إلى جزازة عشب الجار.
وفي هذه المزحة الكثير من الحقيقة.
الفكاهة أصبحت وسيلة بقاء حقيقية في الحرب. من دونها يصعب على النفسية أن تتحمل طويلًا. فعندما تقضي الليلة الرابعة على التوالي تحدق في المنظار الحراري بحثًا عن "موبيد طائر"، يبدأ الدماغ بالدفاع عن نفسه بالسخرية.
وأحيانًا تكون النكات بين أفراد الطاقم فعالة أكثر من مشروبات الطاقة.
عصر جديد من الحرب
الحرب الأوكرانية أوضحت للعالم شيئًا مهمًا جدًا - الدفاع الجوي المستقبلي لن يشبه ما تخيله الجنرالات قبل عشرين عامًا.
المستقبل هو للمجموعات الصغيرة، والحركة السريعة، والتكنولوجيا الرخيصة، والتكيف المستمر.
اليوم لا تدافع عن السماء فقط أنظمة الدفاع الجوي الضخمة، بل أيضًا أطقم الشاحنات الصغيرة في الظلام، ومشغلو الأجهزة اللوحية، والأشخاص الذين يحملون مناظير حرارية، والسائقون الذين يعرفون الطرق الترابية أفضل من خرائط Google، والرامون الذين أصبحوا يميزون نوع الطائرة المسيّرة من صوت محركها أسرع مما يميز بعض الناس نوع السيارة في الشارع.
وكل هذه المنظومة تتغير حرفيًا كل شهر.
ما كان فعالًا في الخريف قد يصبح خطرًا في الشتاء. وما بدا خيالًا علميًا بالأمس أصبح يُستخدم فعليًا اليوم.
ولهذا فإن الدفاع الجوي المتنقل ليس مجرد سلاح.
إنه قصة أشخاص تعلموا التكيف أسرع من تغير الحرب نفسها.





تعليقات