الخوف من التعبئة العسكرية في أوكرانيا: الحقيقة والأساطير والواقع
- Atey Army
- 3 يونيو
- 10 دقيقة قراءة

لماذا يخاف الناس مما لا يعرفونه؟
إذا طلبت من الرجال الأوكرانيين تسمية ثلاثة مواضيع قادرة على إفساد أجواء أي تجمع، فمن المؤكد تقريباً أن التعبئة العسكرية ستكون ضمن القائمة. ربما في مكان ما بين السياسة والسؤال الأبدي حول من كان من المفترض أن يغسل الأطباق بعد حفلة الشواء.
يكفي أن يذكر أحدهم كلمة "التعبئة العسكرية" حتى يبدأ كاتب السيناريو الداخلي في أذهان الكثير من الناس بالعمل. والمشكلة أن هذا الكاتب يبدو وكأنه تربى على أفلام الأكشن القديمة والمسلسلات الكارثية وتعليقات تيليغرام.
تخيل مواطناً أوكرانياً عادياً. يعمل، يدفع فواتيره، يقلق بشأن أسعار الوقود، يشتكي أحياناً من الضرائب، ويعد نفسه كل أسبوع بأنه سيبدأ الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية يوم الاثنين القادم. ثم يبدأ بالتفكير في التعبئة العسكرية. وبدلاً من البحث عن معلومات موثوقة، يفتح الإنترنت. وكما يعلم الجميع، فإن الإنترنت مكان مثير للاهتمام للغاية.
إذا صدقنا وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الشخص بمجرد تعبئته يُرسل مباشرة إلى الجبهة، ويعيش حصراً في خندق، ويتناول طعاماً مجهول المصدر، وينام مرة واحدة في الشهر، وينسى الحياة الطبيعية إلى الأبد.
المشكلة الوحيدة هي أن كثيراً من هذه القصص لها علاقة بالواقع بقدر ما لأفلام الأبطال الخارقين بعالم الإسعاف والطوارئ.
اليوم أصبح الجيش أكثر تعقيداً بكثير مما يتخيله الأشخاص الذين لم يخدموا من قبل. ولهذا السبب ظهرت عشرات الأساطير حول التعبئة العسكرية. بعضها ولد بسبب نقص المعلومات، وبعضها بسبب الشائعات، وبعضها الآخر لأن القصص السلبية تنتشر دائماً أسرع من القصص العادية.
لنبدأ بأكثر هذه الأساطير انتشاراً.
الأسطورة رقم 1: سيتم إرسالي إلى الجبهة فور تعبئتي
هذه بلا شك أكثر المخاوف شيوعاً.
بحسب بعض الأحاديث، يتخيل الناس عملية التعبئة على النحو التالي: يوم الاثنين تشتري قهوتك في طريقك إلى العمل، يوم الثلاثاء يتم استدعاؤك، يوم الأربعاء تحصل على سلاحك، ويوم الخميس تشارك في هجوم على مواقع العدو، ويوم الجمعة يبدأ أصدقاؤك بمراسلة زوجتك.
يبدو الأمر درامياً، ولهذا السبب يحقق نجاحاً كبيراً على الإنترنت.
لكن الواقع مختلف تماماً.
الجيش الحديث مؤسسة ضخمة. يجب تسجيل الشخص، وتجهيزه، وتدريبه، ثم توزيعه على المهام المناسبة. لا أحد لديه مصلحة في إرسال شخص غير مدرب لتنفيذ مهام معقدة. سيكون ذلك مشابهاً لوضع راكب عادي في قمرة قيادة طائرة والقول له: "لقد رأيت الطائرات من قبل، ستتدبر أمرك."
علاوة على ذلك، فإن عدداً هائلاً من التخصصات العسكرية لا علاقة له بالهجوم المباشر. فالحرب الحديثة لم تعد حرب مشاة فقط، بل تعتمد على الطائرات المسيرة، والاتصالات، والخدمات اللوجستية، والمركبات، والطب العسكري، والهندسة، ومئات التخصصات الأخرى.
والمفارقة أن كثيراً من الناس يخافون من سيناريو قد لا يكون حتى الاحتمال الأول الذي سيواجهونه.
ولهذا السبب فإن المصدر الأكبر للخوف ليس الواقع نفسه، بل المجهول.
الأسطورة رقم 2: إذا لم أكن رياضياً، فالجيش لا يحتاجني
تنتشر هذه الفكرة بشكل خاص بين الرجال الذين تجاوزوا الثلاثين من العمر.
يشاهد الشخص مقاطع فيديو لقوات خاصة تركض بعشرات الكيلوغرامات من المعدات، ثم ينظر إلى بطنه التي ظهرت بعد سنوات من العمل المكتبي وقلة الحركة، ويصل إلى استنتاج مفاده أن مستقبله العسكري انتهى قبل أن يبدأ.
ويصبح الأمر أكثر طرافة عندما يصدر هذا الكلام من شخص أمضى عشرين عاماً يعمل ميكانيكياً أو كهربائياً أو سائق شاحنات محترفاً.
صحيح أن الجيوش الحديثة تحتاج إلى أشخاص يتمتعون بلياقة بدنية جيدة. لا أحد ينكر ذلك. لكن ما تحتاجه أكثر هو الأشخاص الذين يعرفون كيف ينجزون الأعمال.
تخيل للحظة أن جميع الميكانيكيين اختفوا غداً. ستتحول المركبات العسكرية بسرعة إلى قطع معدنية باهظة الثمن لا قيمة عملية لها. وإذا اختفى السائقون، فستصبح عمليات الإمداد فعالة بالقدر نفسه الذي تكون عليه وسائل النقل العامة أثناء عاصفة ثلجية كبيرة. أما إذا اختفى خبراء الاتصالات، فسيكتشف القادة سريعاً مدى صعوبة إدارة الوحدات العسكرية عبر الصراخ من مكان إلى آخر.
الحقيقة أن الحرب الحديثة أصبحت تشبه شركة تكنولوجية ضخمة أكثر مما يتخيل الكثيرون. هناك من يصلح المعدات، وهناك من يدير أنظمة الاتصالات، وهناك من يعمل مع الطائرات المسيرة، وهناك من يخطط للعمليات اللوجستية المعقدة.
ولهذا السبب غالباً ما يكون الشخص الذي يمتلك خبرة عملية ومهنة حقيقية وعقلاً منطقياً بنفس قيمة الشخص القادر على الركض لمسافات طويلة دون توقف.
الأسطورة رقم 3: لا أحد يهتم بمهنتي المدنية
يعتقد كثير من الناس أن التعبئة العسكرية تمحو تلقائياً كل الخبرات والمهارات التي اكتسبوها خلال حياتهم.
وكأن استلام الزي العسكري يترافق مع جهاز سحري قادر على حذف عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة من الخبرة المهنية بضغطة زر.
لحسن الحظ، الأمور لا تسير بهذه الطريقة.
تخيل شخصاً أمضى عشرين عاماً في إصلاح السيارات. يستطيع تشخيص عطل في المحرك من خلال الصوت فقط قبل أن يتمكن معظم الناس من فتح غطاء المحرك.
أو مبرمجاً قضى سنوات في العمل مع الحواسيب والشبكات.
أو كهربائياً يستطيع إعادة التيار الكهربائي في أماكن يعتقد الجميع أن إصلاحها مستحيل.
أو عامل بناء شارك في تشييد مشاريع أكثر مما شاهد الشخص العادي في وثائق العقارات طوال حياته.
هل يعتقد أحد حقاً أن هذه المهارات تصبح عديمة الفائدة بمجرد ارتداء الزي العسكري؟
على العكس تماماً.
كلما استمرت الحرب الحديثة لفترة أطول، أصبحت الخبرة المهنية أكثر قيمة. وفي كثير من الأحيان يجلب الشخص إلى الجيش المعرفة التي يحتاجها الآخرون بشدة.
في بعض الحالات تصبح المهنة المدنية مهمة بقدر أهمية التدريب العسكري نفسه.
ولهذا يتفاجأ كثيرون عندما يكتشفون أن الوحدات الناجحة لا تشبه فقط التشكيلات العسكرية، بل تشبه أيضاً الشركات الناجحة والمنظمة جيداً، حيث يعمل كل شخص في المجال الذي يتقنه بأفضل شكل ممكن.
أشياء نادراً ما يتم الحديث عنها على وسائل التواصل الاجتماعي
في هذه المرحلة قد يعتقد البعض أننا نحاول إقناع القارئ بأن الخدمة العسكرية رحلة سهلة ومريحة.
بالطبع لا.
الحرب تبقى حرباً. إنها خطيرة ومتعبة وصعبة وقاسية في كثير من الأحيان.
لكن إحدى أكبر مشكلات عصرنا هي أن كثيراً من الناس يبنون تصورهم الكامل عن الجيش اعتماداً على أسوأ القصص التي يسمعونها.
تخيل لو أن الناس تعلموا كل شيء عن الحياة المدنية من نشرات الأخبار فقط. عندها قد يعتقد المرء أن جميع رجال الأعمال يفلسون، وأن جميع السيارات تتعرض لحوادث، وأن جميع الزيجات تنتهي بالطلاق، وأن مغادرة المنزل فكرة سيئة للغاية.
لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.
والأمر نفسه ينطبق على الخدمة العسكرية.
الأسطورة رقم 4: جميع الجنود يعيشون في الخنادق طوال الوقت
هذه واحدة من أغرب الأساطير وأكثرها انتشاراً.
بعض المدنيين يتخيلون الخدمة العسكرية وكأن الجندي يدخل إلى خندق في يوم ما ويبقى فيه حتى نهاية خدمته، ثم يخرج بعد سنوات وكأنه كان يعيش تحت الأرض طوال تلك الفترة.
إذا فكرنا في الأمر قليلاً، فسيبدو هذا التصور غريباً بقدر تخيل طبيب يقف طوال حياته المهنية بجانب طاولة عمليات واحدة دون أن يغادرها أبداً.
الجيش الحديث يتكون من عدد هائل من الأنشطة المختلفة. هناك المهام القتالية، والتدريب، وفترات التعافي، والصيانة، وإدارة المعدات، والعمل الإداري، والتمارين العسكرية، والتنقلات، وعشرات المجالات الأخرى.
صحيح أن هناك وحدات تنفذ مهاماً قتالية شديدة الصعوبة، وهناك مناطق يكون فيها مستوى الخطر مرتفعاً للغاية. لكن حتى في هذه الحالات لا تقتصر الحياة العسكرية على الجلوس في خندق طوال الوقت.
في كثير من الأحيان يعتاد المدنيون على الصور القادمة من الأخبار لدرجة أنهم ينسون حقيقة بسيطة. وراء كل وحدة عسكرية هناك مئات الأشخاص الذين يعملون على إبقائها جاهزة وقادرة على أداء مهامها. ومعظم هذه الأعمال لا تشبه الأفلام العسكرية على الإطلاق.
الحقيقة هي أن الجيش أكبر بكثير من مجرد خندق، تماماً كما أن الطب أكبر بكثير من غرفة العمليات، والطيران أكبر بكثير من مقصورة القيادة.
الأسطورة رقم 5: تنتهي الحياة بعد التعبئة العسكرية
ربما تكون هذه أكثر الأساطير كآبة وانتشاراً.
يتعامل كثير من الناس مع التعبئة العسكرية وكأنها زر إيقاف مؤقت للحياة. فجأة يتخيل الشخص أن جميع أحلامه وخططه وأهدافه ومستقبله قد وُضعت في صندوق مغلق بانتظار يوم مجهول في المستقبل.
في مخيلته تختفي المشاريع، وتتوقف الحياة العائلية، وتتجمد الخطط المالية، ويتحول المستقبل إلى ضباب كثيف لا يمكن رؤية ما خلفه.
لكن الواقع غالباً ما يكون مختلفاً تماماً.
الكثير من العسكريين يواصلون التخطيط لحياتهم المستقبلية. بعضهم يدخر المال لشراء منزل. وبعضهم يدرس مهنة جديدة. وهناك من يخطط لافتتاح مشروعه الخاص بعد انتهاء الخدمة. وآخرون يبنون عائلاتهم أو يربون أطفالهم أو يكتسبون مهارات لم يتخيلوا يوماً أنهم سيتعلمونها.
ومن أكثر الأمور التي تفاجئ الكثيرين الجانب المالي للخدمة العسكرية.
في الحياة المدنية تبتلع المصاريف جزءاً كبيراً من الدخل. إيجار المنزل، وفواتير الخدمات، والوقود، والمواصلات، والملابس، والطعام، وعشرات النفقات الصغيرة التي تبدو غير مهمة بمفردها لكنها تلتهم الميزانية تدريجياً.
أما في الخدمة العسكرية، فإن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يختفي. يتم توفير الزي العسكري. ويتم توفير المعدات الأساسية. ويتم توفير الطعام. ولهذا السبب يكتشف بعض العسكريين أنهم بدأوا للمرة الأولى منذ سنوات في ادخار المال بشكل منتظم.
بالطبع لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى التعبئة العسكرية كخطة استثمارية أو وسيلة لتحسين الوضع المالي. لكن الحقيقة أن بعض الأشخاص يفاجأون عندما يجدون أن أموالاً أكثر تبقى في حساباتهم البنكية مقارنة بما كان يحدث قبل الخدمة.
الحياة لا تنتهي.
إنها فقط تتغير، وأحياناً بطرق لم يكن الشخص يتوقعها أبداً.
الأسطورة رقم 6: إذا كنت خائفاً فهذا يعني أنني غير مستعد
هذه واحدة من أكثر الأفكار الخاطئة انتشاراً.
كثير من الناس يشعرون بالحرج من خوفهم. ينظرون إلى الجنود ذوي الخبرة ويعتقدون أنهم لا يشعرون بالتوتر أو القلق أو الخوف أبداً.
لكن هذه واحدة من أكبر المغالطات.
الخوف ليس علامة على الضعف.
الخوف هو رد فعل طبيعي تماماً لدى الإنسان عندما يواجه المجهول أو الخطر.
في الواقع، لولا الخوف لما تجنب الناس عبور الطرق المزدحمة دون انتباه، ولما فكروا مرتين قبل اتخاذ قرارات خطيرة قد تعرض حياتهم للخطر.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشخص يشعر بالخوف.
السؤال الحقيقي هو كيف يتعامل مع هذا الخوف.
تقريباً كل جندي يتذكر يومه الأول في الوحدة العسكرية. وكل مجند جديد مر بلحظات من الشك والتردد والتوتر. وكل شخص تقريباً مر بلحظة تمنى فيها أن يضغط زر الإيقاف المؤقت للحياة لبضع دقائق حتى يستعيد هدوءه.
وهذا أمر طبيعي تماماً.
في الحقيقة، الأمر الغريب سيكون غياب المشاعر تماماً.
غالباً ما يخلط المجتمع بين الخوف والضعف، رغم أنهما شيئان مختلفان تماماً. فالضعف هو الاستسلام للخوف والسماح له بالسيطرة على القرارات. أما الخوف نفسه فهو جزء طبيعي من التجربة الإنسانية.
ولهذا السبب فإن الشعور بالخوف لا يعني أنك غير قادر على أداء واجبك. بل يعني ببساطة أنك إنسان.
الأسطورة رقم 7: جميع القادة العسكريين متشابهون
يمكن دحض هذه الفكرة بسؤال بسيط للغاية.
هل جميع مديري الشركات متشابهون؟
هل جميع أصحاب الأعمال متشابهون؟
هل جميع المديرين التنفيذيين متشابهون؟
بالطبع لا.
إذاً لماذا يعتقد بعض الناس أن جميع القادة العسكريين متشابهون؟
الجيش يتكون من بشر، والبشر مختلفون بطبيعتهم.
هناك قادة يتذكرهم مرؤوسوهم باحترام حتى بعد سنوات طويلة. وهناك قادة يستطيعون تنظيم العمل بحيث تعمل الوحدة بكفاءة عالية وكأنها آلة دقيقة. وهناك من يواصل التعلم والتطوير إلى جانب جنوده لأن الحرب الحديثة تتغير باستمرار.
وكما هو الحال في أي مؤسسة كبيرة، توجد نماذج مختلفة وتجارب مختلفة.
لكن الخطأ الأكبر هو محاولة الحكم على مؤسسة كاملة اعتماداً على قصة واحدة أو تجربة فردية.
هذا يشبه الحكم على جميع المطاعم في بلد كامل بعد تناول وجبة سيئة في مطعم واحد.
الجيش الحديث يضم آلاف الوحدات وعشرات الآلاف من القادة. ولكل وحدة ثقافتها الخاصة، ولكل قائد أسلوبه الخاص، ولهذا يمكن أن تختلف تجربة الخدمة بشكل كبير من مكان إلى آخر.
ولهذا السبب فإن التعميم غالباً ما يكون أسهل من الحقيقة، لكنه نادراً ما يكون أكثر دقة منها.
مفاهيم يتخيلها الناس بشكل خاطئ
إذا وصلت إلى هذا الجزء من المقال، فربما بدأت تلاحظ نمطاً مثيراً للاهتمام. فمعظم المخاوف المتعلقة بالتعبئة العسكرية لا تأتي من التجربة الشخصية، بل من قصص الآخرين. وغالباً ما تنتقل هذه القصص بالطريقة نفسها التي تنتقل بها الأساطير الشعبية أو الحكايات الغريبة التي تبدأ بعبارة: "صديق صديقي أخبرني أن..."
ومع مرور الوقت تكتسب كل قصة تفاصيل إضافية ومبالغات جديدة حتى تصبح شيئاً مختلفاً تماماً عن الحقيقة الأصلية.
ولهذا السبب يبدأ كثير من الناس بالخوف من نسخة خيالية للخدمة العسكرية بدلاً من الواقع الفعلي.
الأساطير الثلاث الأخيرة تتعلق بهذا الأمر بالتحديد.
الأسطورة رقم 8: الجيش لا يعلّم أحداً شيئاً
عادة ما يردد هذه الفكرة أشخاص مقتنعون في الوقت نفسه بأن الحرب الحديثة أصبحت شديدة التطور التكنولوجي، لكنهم يعتقدون أيضاً أن جميع العسكريين يولدون وهم يمتلكون المعرفة والخبرة اللازمة مسبقاً.
لو أخذنا هذه الفكرة على محمل الجد، فسيكون علينا أن نتخيل شخصاً يغادر مستشفى الولادة حاملاً شهادة في البرمجة، ورخصة قيادة، وخبرة في تشغيل الطائرات المسيّرة.
من الواضح أن هذا غير منطقي.
الحقيقة أن التدريب في الجيش الحديث لا يتوقف أبداً.
يتدرب المجندون الجدد.
ويتدرب ضباط الصف.
ويتدرب الضباط.
ويتدرب مشغلو الطائرات المسيّرة.
ويتدرب المسعفون العسكريون.
ويتدرب المدربون أنفسهم.
بل وحتى أصحاب الخبرة القتالية الطويلة يستمرون في التعلم.
السبب بسيط للغاية.
الحرب الحديثة تتغير بسرعة مذهلة.
قبل سنوات قليلة فقط كانت طائرات FPV المسيّرة تعتبر تقنية جديدة نسبياً. أما اليوم فقد أصبحت جزءاً أساسياً من ساحة المعركة. وينطبق الأمر نفسه على الحرب الإلكترونية وأنظمة الاتصالات والاستطلاع والتقنيات الحديثة الأخرى.
كثير من المدنيين لا يدركون حجم الوقت الذي يُستثمر في التدريب والتطوير. ففي بعض الأحيان يقضي الجندي وقتاً أطول في التعلم وصقل مهاراته مما يقضيه في تنفيذ المهام نفسها.
الحرب الحديثة لا تكافئ الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء. بل تكافئ أولئك الذين يواصلون التعلم باستمرار.
الأسطورة رقم 9: التعبئة العسكرية تعني فقدان الحرية
هذه من أكثر المخاوف تأثيراً على المستوى النفسي.
يتخيل البعض أنه بمجرد التحاقه بالخدمة العسكرية سيختفي من الحياة الطبيعية تماماً. لا أصدقاء، ولا عائلة، ولا إجازات، ولا خطط مستقبلية، ولا حياة شخصية.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وأقل درامية بكثير.
نعم، الخدمة العسكرية تفرض التزامات وقواعد معينة. وهذا أمر طبيعي. فالجيش لا يمكن أن يعمل وفق مبدأ: "اليوم أرغب في الخدمة، وغداً سأقرر الذهاب في رحلة صيد."
لكن في الوقت نفسه يبالغ كثير من المدنيين في تقدير حجم هذه القيود.
العسكريون يتواصلون مع عائلاتهم. يتحدثون مع آبائهم وأمهاتهم. يشاهدون صور أطفالهم. يخططون للمستقبل. يحصلون على إجازات. يتعاملون مع شؤونهم الشخصية. ويحافظون على علاقاتهم الاجتماعية.
وقد يتفاجأ البعض عندما يعلم أن العسكريين يستطيعون السفر إلى الخارج أثناء الإجازة وفقاً للإجراءات والقوانين المعمول بها والحصول على الموافقات المطلوبة.
عندما يسمع بعض المدنيين هذه المعلومة للمرة الأولى تكون ردة فعلهم متشابهة تقريباً.
"حقاً؟"
نعم، حقاً.
لأن الجندي يبقى إنساناً قبل أي شيء آخر. لديه عائلة وأحباء ومسؤوليات وحياة خارج إطار الخدمة.
في بعض الأحيان يبدو وكأن البعض يتخيل الجيش كقلعة من العصور الوسطى لا يمكن لأحد مغادرتها.
أما في الواقع فهو أقرب إلى مؤسسة كبيرة لها قواعدها وواجباتها، لكنها تبقى مكونة من أشخاص يعيشون حياة حقيقية.
الأسطورة رقم 10: الجيش يقتصر على إطلاق النار فقط
إذا طلبت من شخص لم يخدم في حياته أن يصف الجيش بجملة واحدة، فغالباً سيذكر البنادق أو الخنادق أو المعارك.
وهذا أمر مفهوم.
فالأفلام والألعاب الإلكترونية والتغطيات الإخبارية غالباً ما تركز على الجانب القتالي المباشر. ونتيجة لذلك يعتقد البعض أن جميع أفراد الجيش يقضون وقتهم في إطلاق النار أو الهجوم على مواقع العدو.
لكن الحرب الحديثة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
تخيل مطاراً دولياً ضخماً.
عندما ينظر المسافر إلى الطائرة، يعتقد عادة أن الطيار هو الشخص الأهم في العملية بأكملها. لكنه لا يرى المراقبين الجويين والمهندسين والفنيين وخبراء الأمن وفرق الصيانة والعاملين في الخدمات اللوجستية الذين يجعلون الرحلة ممكنة.
الأمر نفسه ينطبق على الجيش.
فعندما يشاهد الناس الأخبار ويرون نتيجة عملية ناجحة، فإنهم لا يرون آلاف التفاصيل التي سبقتها. لا يرون الميكانيكي الذي أصلح المركبة. ولا المختص الذي أمّن الاتصالات. ولا المسعف الذي استعد للحالات الطارئة. ولا الخبير الذي حلل المعلومات.
ولا الطيار الذي شغّل الطائرة المسيّرة.
الحرب الحديثة تعتمد على شبكة ضخمة من الاختصاصات المختلفة.
هناك من يصلح المحركات.
وهناك من يعمل مع الطائرات المسيّرة.
وهناك من يدير الاتصالات.
وهناك من يخطط للإمدادات.
وهناك من يجمع المعلومات ويحللها.
بل إن كثيراً من المدنيين سيشعرون بالدهشة لو شاهدوا كمية الحواسيب والهوائيات والخوادم والأجهزة الإلكترونية المستخدمة في الوحدات العسكرية الحديثة. ففي بعض الأحيان يبدو الأمر أقرب إلى مركز تكنولوجي متطور منه إلى الصورة التقليدية التي اعتاد الناس رؤيتها في الأفلام القديمة.
ولهذا فإن القول إن الجيش يقتصر على إطلاق النار يشبه القول إن المستشفى موجود فقط لإعطاء الحقن.
قد تحتوي العبارة على جزء صغير من الحقيقة، لكنها بعيدة جداً عن الصورة الكاملة.
الخاتمة
الخوف من التعبئة العسكرية ليس أمراً جديداً. ولو وُجدت الظروف نفسها في أي دولة أخرى لوجدنا المخاوف نفسها تقريباً.
فالناس لا يخافون لأنهم ضعفاء.
إنهم يخافون لأنهم لا يعرفون ما ينتظرهم.
وعندما ننظر إلى هذه الأساطير العشر، سنلاحظ أن معظمها لم يولد من تجارب شخصية حقيقية، بل من افتراضات وشائعات ومقاطع فيديو مثيرة وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع مرور الوقت تتجمع هذه الأجزاء الصغيرة من المعلومات لتشكل صورة مخيفة قد لا تشبه الواقع إلا قليلاً.
في الحقيقة، الجيش الأوكراني الحديث أكثر تعقيداً بكثير مما يتخيله معظم المدنيين. فهو لا يتكون فقط من الخنادق والأسلحة والمهام القتالية. بل يتكون أيضاً من التكنولوجيا والتدريب والطب والهندسة والاتصالات واللوجستيات والتخطيط وآلاف الأشخاص من مختلف المهن الذين يعملون معاً لتحقيق هدف واحد.
ولهذا السبب فإن أفضل طريقة للتعامل مع الخوف هي الحصول على المعلومات من الأشخاص الذين يعيشون هذه التجربة فعلاً، لا من الخوارزميات التي تغذيها الإثارة والخوف.
في كتيبة أتي للمهام العملياتية، نلتقي يومياً بأشخاص من خلفيات مختلفة تماماً. بيننا رجال أعمال سابقون، ومهندسون، ومبرمجون، وميكانيكيون، وعمال بناء، وأشخاص لم يكن لديهم أي ارتباط بالحياة العسكرية قبل الحرب. ومع ذلك، فإن معظمهم حملوا في يوم من الأيام الأسئلة نفسها والمخاوف نفسها التي يحملها كثير من الأوكرانيين اليوم.
الخوف من المجهول أمر طبيعي.
أما السماح للأساطير باتخاذ القرارات بدلاً من الحقائق، فذلك هو الأمر غير الطبيعي.





تعليقات